فلسفة حول داعش
بقلم : احمد ابو فرحة
قد
يتخيل البعض ان مشكلة داعش هي وليدة العام الماضي بعد اعلانها في الشام و قبلها في
العراق . مخطئ من ظن للحظة ان هذه المشكلة عمرها عام واحد فقط . داعش و ان اخذت
هذا الاسم حديثا الا ان هذا اللفظ يعبر عن معاني كثيرة و ارث كبير و واقع موجود
نراه سياسيا و عسكريا و حتى في شتى مجالات الحياة , فداعش اكبر و اعظم ان تحصر في
تنظيم او في جماعة او حتى في دولة !! هي منهج حياة ينتهجه كثيرون خاضوا غمار
الحياة و فهموا ما وجب فهمه بطريقة مقلوبة و عاشوا بطريقة معكوسة و تظاهروا
بمثاليات و قيم قد تنطبق على أي شخص الا هم . داعش مشكلة عمرها عمر التاريخ و ان
لم تكن لها اسم مبلور بعد .
و للإنصاف
فان الانسان لا يولد داعشيا بالفطرة , فالفطرة السليمة تتنافى مع مفاهيم و سلوكيات
داعش , و يصبح الانسان داعشيا بعد اكتمال عوامل قاسية و ظروف معينة .
و لا
تنحصر الطريقة الداعشية في التعامل في دين محدد!! مخطئ من ظن هذا , فهناك داعشي
نصراني و هناك داعشي يهودي و هناك داعشي بعثي و داعشي اسلامي و داعشي اخواني و
داعشي تحت صفوف القاعدة . فكرة داعش في أي مكان قد تجدها . و قد يكون المرء داعشيا
بشكل جزئي و قد يكون كليا . داعش بيئة خصبة لكل مأزوم نفسي و كل حاقد بسبب ظلم و
كل سادي قذر و لكل متنطع يحب البروز و لكل منبوذ اجتماعي و لكل فاشل في حياته اراد
ان يعوض تكرار فشله فاختار هذا الطريق . و قد تكون داعش كل اولئك .
و اكثر
ما يفرح به الطواغيت و الدول الاستعمارية وجود داعش بين ظهراني الشعوب . لان داعش
ببساطة تريحهم من كثير من المهام . فداعش بالمفهوم العسكري المقاتل تعني خلل في
ترتيب الاولويات لخدمة الاعداء . كما ان احد تعريفات داعش هي كل فكرة او كل مفهوم
او كل محاولة تتحدى سنن الحياة في التغيير بطريقة تخدم الاعداء من جهة و ترضي
الغرور من جهة اخرى اضافة الى اذى من حولك من جهة ثالثة .
قد يخطط
الاعداء لسنوات طوال لمكر معين , فيأتي من يحمل فكر داعش و يسهل عليهم هذا الامر
بفترة قصيرة وجيزة باسم المثاليات .
حتى
تنضم لفكر داعش , و على عكس كل الحركات الاخرى التي تطرح اجمل ما عندها للجذب ,
فان داعش تطرح اقذر ما عند الاخرين بتخوين و تكفير مما يلاقي استحسانا في النفوس
المريضة , و بعد انتقاد الجميع و غياب لغة التآلف , تصبح بؤرة بث الاشاعات و بؤرة
السب على الاخرين قبلة يحج اليها كل من يرى الامور بعين الكره و الحقد و الغل .
كما ان
فكر داعش بسيط جدا و قوي في نفس الوقت , اذ يقوم الامر على مثالية معينة مسلمة بها
, و طبعا فان عكس هذه المثالية هي الشر بعينه , ثم تقوم بعد ذلك بسلسلة من
الاسقاطات السقيمة الشيطانية بمتسلسلات عجيبة تطعن بها كل البشر الا من يقف في صفك
عن طريق المثالية الفرضية الاولى , و تصبح في دقائق منظر و قائدا و مكفرا و مفكرا
و عالما يشار اليك بالبنان عند الدواعش .
كما ان
داعش لا تعترف بحدود و هذه اشهد لها بها , ففي كل العالم عشرات من داعش باسماء
اخرى , و اضيف انها لا تعترف بتاريخ احد و لا بقدسية احد , و هذه الاخرى نشهد لها
بها , فالكل عندهم تحت المطرقة و لا كرامة لاحد . و قد يصل الامر الى تسفيه مؤسس
داعش نفسه اذا اراد للحظة ان يوقف مسارا خاطئا او حتى اراد ان يلتوي لمصلحة معينة
لا تتناسب و اهواء الدواعش . مشكلة صعبة و لا حل معها الا بانقاذ رباني . فقل لي
بربك كيف تستطيع ايقاف شخص مستعد للقتل و الذبح و قتل نفسه و تفجيرها بك اذا اعتقد
انك كافر و انه يتقرب للقاء ربه عن طريق اشلائك ؟ معادلة صعبة قد تكون فيها انت
الضحية دائما .
في داعش
, احذف من قاموسك كلمة "الاستغراب " و " الاندهاش" من أي شيء
. عادي ان ترى أي شيء و عادي ان تسمع أي شيء. رؤوس مقطوعة لمجاهدين !! اسيد يوضع
على وجوه المجاهدين !! تقتيل للعشرات بلحظات !! تباهي بتشويه الجثث !!
كل ذلك
رأيناه و سمعنا تبريراته . لا مجال لنفسيتك السوية ان تتحمل كل ذلك , فلذلك تجبر
اجبارا ان تقف في وجه داعش , و هم بالأصل لا يريدون احدا معهم و لا يهمهم احد , و
لسان حالهم يقول : لا نريدك و ليتك تصبح ضدنا لنعيش على اشلائك و نتلذذ بشراب
دمائك كما قال متحدثهم !!
كما ان
داعش قد تكون في المجال الاقتصادي !! عجبا . نعم قد يفكر المرء بطريقة داعشية في
مشروع معين دون حساب للسوق و أي شيء سوى انه يريد اقامة ذلك المشروع , فيصب عليه
الوقت و الجهد و المال و بالأخير لا يحسب حساب للواقع , فيخسر خسارة عنيفة تودي به
, ذلك هو الاقتصاد الداعشي !!
و
الادهى ان تسمع ان هناك طريقة رياضية داعشية في اللعب !! فقد يظن فريق رياضي انه
قاب قوسين او ادنى من النصر و هو ليس لديه أي مقومات , فيدخل المباراة دون حساب او
اعداد او حتى خطة , فيخسر الفريق خسارة قد تجعل كل اعضاء الفريق يعتزلون اللعب
نهائيا !!
لكن
الذي يبشر بعد كل هذا , ان ظاهرة داعش ظاهرة مؤقتة , تصل الى ذروتها ثم ما تبرح ان
تزال الى الهاوية , فما كانت حياة لتمشي و يقودها اناس ممن يحملون فكر داعش .
و لداعش
مزايا و فوائد و حسنات كثيرة , لكن عندما تصبح خطرا عليك , وجب عليك ان تخفي كل
المحاسن لأنه مهما كثرت المحاسن لن تصل الى عمل سادي واحد يخرق فطرة المسلمين !!
و امر
آخر , فليس هناك شخص لم يمر في حياته في حالات داعشية , فكاتب المقال هذا كان يوما
قريبا منهم و كل شخص مهما كان الا و دخل في تلك المرحلة المؤقتة من حياته قبل
الاستيقاظ !
قد يقولون
في نهاية المقام : انت حاقد على داعش و قبلك مليء بالحقد و كثير من التهم , و اجيب
اخيرا : اقسم بالله غير حانث انني استنفذت كل مقاومتي لكره احد و كل انصافي و
استنفذت كل ما عندي من موضوعية و كل ما عندي من دفاع , لكن دون جدوى و اضطررت
اخيرا ان اقف في صف المسلمين ضد الفكر الداعشي المدمر و لعل قسمي قد ينطبق على
آلاف مؤلفة غيري و الله المستعان .




